سامية الزبيدي
الفقر امرأة، يبدو هذا المفهوم صحيحاً تماماً، حينما تنظر الى "س" تلك الفتاة التي بلغت منتصف الثلاثينات من عمرها وقطر الزواج لم يقف ببابها الا حاملاً متزوج يريد التعدد أو مطلق كثير العيال أو أرمل مسن يبحث عمن يخدمه في ما تبقى له من أيام.
تمضي "س" يومها بهمة ونشاط كبيرين كمعظم النساء الفلسطينيات اللواتي يتحملن مسؤوليات الحياة وضغوطها الكثيرة، فلا تجد لنفسها متسعاً للاهتمام بنفسها.
فـ"س" تستيقظ قبل شروق الشمس لتؤدي صلاة الصبح، ثم تبدأ في الغسيل والنشير، والعجين والخبيز، والطبيخ والتنظيف..ولا تكاد تنتهي من عملها حتى صلاة المغرب تقريباً.
ووسط هذه الأعمال تتدبر "س" أمرها لتهرع إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "اونروا أك" وإلى وزارة الشؤون الاجتماعية وإلى المؤسسات والجمعيات الخاصة بدعم الأسر الفقيرة لتحصل على مساعدات عينية ومادية تعتاش منها أسرتها المكونة من والدها ووالدتها وأخواتها البنات الستة.
والد "س" يتذرع بـ"الديسك" في ظهره حيناً، وبعدم وجود فرصة عمل له حيناً آخر، للبقاء في منزله، صارفاً وقته في القيل والقال و شرب القهوة تارةًً والشاي تارةً أخرى مع جيرانه المتعطلين عن العمل أمثاله.
ولا تتحمل والدة "س" أي جزء من المسؤولية المادية، فهي المسؤولة الثانية عن المنزل معنوياً بعد زوجها، الا أن المسؤول الحقيقي عن تدبير أمور المنزل وترتيب حياتهم المعيشية الصعبة هي "س"، التي تتحمل أيضاً تهجمات وحتى لكمات أقربائها أسوة بأمها وأخواتها الستة حينما يعتقد أو يسمع هؤلاء الأقارب أنهن ارتكبن أي خطأ على شاكلة أن يجلسن أمام باب المنزل لتنشق بعض النسيم البارد في أيام الصيف الحارة والتحدث مع بعض الجارات كما جرت العادة في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة.
وعلى رغم أن والد "س" (الذكر) لم يستطع حمايتهن ومنع الاعتداء المتكرر عليهن الا أن والدتها التي قاربت الخمسين من عمرها، لا زالت ترجو الله أن يرزقها "الولد" كي يحمي شقيقاته من بطش القريب قبل البعيد، ويشاركها الرجاء والدعاء الدائم بناتها الست.
وإلى أن يستجيب الله دعائهن، تسند مهمات (الذكر) المجتمعية كلها الى "س"، فهي من يشتري وهي من تبيع ما يفيض من حاجتهم من مواد تموينية يتلقونها من أوجه الخير القليلة، كي ينفقوا من ثمنها على احتياجاتهم الأخرى.
وهي أيضاً من يتابع "أختيها الصغيرتين" في المدارس، ويؤمن متطلباتهما من ملابس وكتب وقرطاسية، ويحل مشكلاتهما في المدرسة مع الأستاذة ومع الطالبات، خصوصاً وأن تحصيلهن العلمي متدنٍ بسبب حالة الأمية التي تعيشها الأسرة عموماً من الأب والأم مروراً بـ"س" وأخواتها الأربعة الأخريات اللواتي حرمن من اكمال تعليمهن لاسباب متعددة، لكن غير مبررة.
ولا تجد "س" غضاضة في ان تتوسل إلى بنات جيرانها "المتعلمات" كي يمنحن أخواتها بعضا ً من الوقت لشرح المبهم في المنهج الدراسي.. وما أكثره.
منذ بعض الوقت تزوجت شقيقاتها الأصغر "ن" و"ز"، فكبرت مسؤولية "س" ولم تصغر، فعليها الآن مراعاة أخواتها المتزوجات، في فرحهن وترحهن، وعليها أيضاً مراعاة أزواجهن أيضاً، و"تكبير واجبهم" بإخفاء الحال البائس، وتبديله بحال أفضل، فتستعير "كاسات الشاي أو العصير المتشابهة" من الجيران، فأكوابها من كل لون وشكل، وكذلك تستعير بعض الكراسي..وأشياء أخرى...
وتَجهد "س" لترضي كل من حولها، ولا أحد يبحث عن رضاها، أو حتى عن صحتها، على رغم أنها "تهرع" عند أي مرض يلم بأي أحد منهم إلى مراكز الرعاية الصحية لعلاجه.
إلا أنها تكتفي بكوب من "الميرمية" المغلية عند أي مرض.. وحتى"الأكزما" (مرض جلدي) التي تجتاح يديها تماماً بسبب مواد التنظيف الخاصة بالجلي والغسيل وخصوصاً مادة الكلور التي تكثر "س" من استعمالها، فإنها تستخدم أي "مرهم" تجده في المنزل لتخفيف آلامها التي تشتد في فصل الشتاء، ولحسن حظها "تزبط معها".
وعلى عكس النظرة المجتمعية السائدة لـ"أبو البنات" التي تحمل الشفقة غالباً، ينظر المحيطون بأخت البنات لها بمشاعر متقلبة، فساعة يمتدحونها فيقولون أنها "بمئة رجل"، وكأن المرأة بذاتها لا تساوي شيئاً إلا إذا وزنت بالرجال، وساعة يتهامسون عليها ويقولون أنها "مسترجلة وبدها عارض".
"س"، التي يطمرها الهم والشقاء من رأسها حتى قدميها، تعزي نفسها وما تفتأ تقول: "الكل يحسدني لأني لم أتزوج، وعايشة حياتي على راحتي"!!!.
التعليقات
Hind Al-Subai A...
Permalink
كانون الثاني (يناير) 14, 2012 - 1:35مساء
قصة من واقع حياة الكثير من
قصة من واقع حياة الكثير من البنات ليس فقط في فلسطين ..لكن هنا وهناك أيضا...
الصفحات